محمد بن جرير الطبري
40
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً قال : ثم بددهن على كل جبل يأتينك سعيا ، وكذلك يحيي الله الموتى . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ثم اجعلهن أجزاء على كل جبل ، ثم أدعهن يأتينك سعيا ، كذلك يحيى الله الموتى ؛ هو مثل ضربه الله لإِبراهيم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال مجاهد : ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثم بددهن أجزاء على كل جبل ، ثم أدعهن : تعالين بإذن الله فكذلك يحيي الله الموتى ؛ مثل ضربه الله لإِبراهيم صلى الله عليه وسلم . حدثني المثنى ، قال : ثني إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قال : أمره أن يخالف بين قوائمهن ورؤوسهن وأجنحتهن ، ثم يجعل على كل جبل منهن جزءا . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً فخالف إبراهيم بين قوائمهن وأجنحتهن . وأولى التأويلات بالآية ما قاله مجاهد ، وهو أن الله تعالى ذكره أمر إبراهيم بتفريق أعضاء الأَطيار الأَربعة بعد تقطيعه إياهن على جميع الأَجبال التي كان يصل إبراهيم في وقت تكليف الله إياه تفريق ذلك وتبديدها عليها أجزاء ، لأَن الله تعالى ذكره قال له : ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً والكل حرف يدل على الإِحاطة بما أضيف إليه لفظه واحد ومعناه الجمع . فإذا كان ذلك كذلك فلن يجوز أن تكون الجبال التي أمر الله إبراهيم بتفريق أجزاء الأَطيار الأَربعة عليها خارجة من أحد معنيين : إما أن تكون بعضا أو جمعا ؛ فإن كانت بعضا فغير جائز أن يكون ذلك البعض إلا ما كان لإِبراهيم السبيل إلى تفريق أعضاء الأَطيار الأَربعة عليه . أو يكون جميعا ، فيكون أيضا كذلك . وقد أخبر الله تعالى ذكره أنه أمره بأن يجعل ذلك على كل جبل ، وذلك إما كل جبل وقد عرفهن إبراهيم بأعيانهن ، وإما ما في الأَرض من الجبال . فأما قول من قال : إن ذلك أربعة أجبل ، وقول من قال : هن سبعة ؛ فلا دلالة عندنا على صحة شيء من ذلك فنستجيز القول به . وإنما أمر الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم أن يجعل الأَطيار الأَربعة أجزاء متفرقة على كل جبل ليري إبراهيم قدرته على جمع أجزائهن وهن متفرقات متبددات في أماكن مختلفة شتى ، حتى يؤلف بعضهن إلى بعض ، فيعدن كهيئتهن قبل تقطيعهن وتمزيقهن وقبل تفريق أجزائهن على الجبال أطيارا أحياء يطرن ، فيطمئن قلب إبراهيم ويعلم أن كذلك يجمع الله أوصال الموتى لبعث القيامة وتأليفه أجزاءهم بعد البلى ورد كل عضو من أعضائهم إلى موضعه كالذي كان قبل الرد . والجزء من كل شيء هو البعض منه كان منقسما جميعه عليه على صحة أو غير منقسم ، فهو بذلك من معناه مخالف معنى السهم ؛ لأَن السهم من الشيء : هو البعض المنقسم عليه جميعه على صحة ، ولذلك كثر استعمال الناس في كلامهم عند ذكرهم أنصباءهم من المواريث السهام دون الأَجزاء . وأما قوله : ثُمَّ ادْعُهُنَّ فإن معناه ما ذكرت آنفا عن مجاهد أنه قال : هو أنه أمر أن يقول لأَجزاء الأَطيار بعد تفريقهن على كل جبل تعالين بإذن الله . فإن قال قائل : أمر إبراهيم أن يدعوهن وهن ممزقات أجزاء على رؤوس الجبال أمواتا ، أم بعد ما أحيين ؟ فإن كان أمر أن يدعوهن وهن ممزقات لا أرواح فيهن ، فما وجه أمر من لا حياة فيه بالإِقبال ؟ وإن كان أمر بدعائهن بعد ما أحيين ، فما كانت حاجة إبراهيم إلى دعائهن وقد أبصرهن ينشرن على رؤوس الجبال ؟ قيل : إن أمر الله تعالى ذكره إبراهيم صلى الله عليه وسلم بدعائهن وهن أجزاء متفرقات إنما هو أمر تكوين ، كقول الله للذين مسخهم قردة بعد ما كانوا إنسا : كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ لا أمر عبادة ، فيكون